في الثامن عشر من يوليو عام ألفين وأحد عشر، في ساعة متأخرة من الليل، شق كرة نارية ساطعة سماء جنوب المغرب مُخلِّفةً خلفها ذعراً وذهولاً في صفوف أهل القرى النائية. وحين تشققت الصخرة في الهواء وتناثرت قطعها على الأرض المحيطة بقرية تيسينت الصغيرة في إقليم طاطا، لم يكن أحد يعلم حينها أن هذا الحدث الكوني العابر سيضع هذه القرية المجهولة على خارطة العلم العالمي إلى الأبد. فقد اكتشف العلماء لاحقاً أن ما سقط كان نيزكاً مريخياً نادراً من النوع المعروف بـ"شيرغوتيت"، وهو أحد أندر أنواع النيازك على وجه الأرض.
لكن تيسينت لم تنتظر النيزك لتكون ذات شأن. فهذه القرية التي تجلس بهدوء على ضفاف أحد روافد وادي درعة، على بعد نحو مئة وخمسة وعشرين كيلومتراً جنوب شرق طاطا، تختزن في محيطها الصخري أرشيفاً بشرياً استثنائياً من النقوش الصخرية التي رسمها أجداد الإنسانية قبل آلاف السنين، جاعلةً المنطقة من أغنى مواقع الفن الصخري في أفريقيا.
النيزك المريخي: حدث علمي استثنائي
يُصنَّف نيزك تيسينت 2011 ضمن فئة النيازك المريخية المعروفة بالأحجار القمرية، وهي فئة نادرة جداً لا يزيد عدد العينات المعروفة منها على بضع مئات في العالم. وما يجعل هذا النيزك استثنائياً بشكل خاص هو أنه اعتُبر من أحدث الصخور المريخية أصلاً، أي أن عمرها يُقدَّر بأقل من مئتي مليون سنة مقارنةً بالصخور المريخية الأخرى الأقدم بكثير.
تحتوي شظايا نيزك تيسينت على بنى ميكروسكوبية وتراكيب كيميائية خاصة أبدى تجاهها علماء الفلك والجيولوجيا الكونية اهتماماً بالغاً، إذ كشفت التحليلات الدقيقة عن آثار قد تُشير إلى وجود ماء في تاريخ المريخ القديم. هذا الاكتشاف الذي بدأت خيوطه في صحراء طاطا، فتح أمام العلماء أسئلةً جوهريةً حول إمكانية وجود الحياة على الكوكب الأحمر في ماضٍ سحيق.
أرض تيسينت الصخرية في إقليم طاطا، موقع سقوط النيزك المريخي النادر عام 2011
النقوش الصخرية: متحف في الهواء الطلق
قبل أن يُدوّي النيزك في سماء تيسينت، كانت المنطقة معروفةً لدى المختصين بكنوزها من الفن الصخري قبل التاريخي. وتنتشر في المنطقة المحيطة بتيسينت مئات اللوحات الصخرية المنقوشة على الصفائح الحجرية والجدران الصخرية الطبيعية، والتي تُصوّر مشاهد متنوعة من الحياة التي كان يحياها إنسان المنطقة منذ آلاف السنين.
تتضمن هذه النقوش تصاوير لحيوانات انقرضت من المنطقة منذ آلاف السنين حين كان المناخ أرطب وأكثر خضرةً، من بينها الزرافة ووحيد القرن والفيل وبقر الوحش الضخم. كما تُصوّر مشاهد صيد واحتفالات وحياة يومية، فضلاً عن رموز وعلامات غير مفهومة تُشير إلى بعد روحي وديني لهذه الرسوم. بعض النقوش نُحتت في الحجر بأداة صلبة، وأخرى رُسمت بأصباغ طبيعية تحافظ بعضها على ألوانها حتى اليوم بشكل مذهل.
تيسينت: القرية والسكان
تعيش في تيسينت وجواره بضع مئات من الأسر الأمازيغية التي تعتمد في معيشتها على الزراعة الواحية وتربية الإبل والماعز وبعض النشاط التجاري المتعلق بالسياحة. يكسو سحر المكان وبساطة حياته اليومية هدوءاً استثنائياً يشعر به كل من يزور القرية لأول مرة. الزمن هنا يبدو أنه يسير بإيقاع مختلف: إيقاع الواحة والقطيع والصلوات الخمس التي تُحدد تقسيم اليوم.
ومنذ سقوط النيزك، ازداد اهتمام الزوار بتيسينت، مما فتح أمام أهلها فرص عمل جديدة في استقبال الزوار وتأطير رحلات الزيارة الميدانية لمواقع النيزك ولمناطق النقوش الصخرية. لكن البنية التحتية تظل دون مستوى الاحتياجات السياحية، مما يجعل تطوير المنطقة أولويةً واجبة على المسؤولين والمستثمرين المهتمين بالسياحة الثقافية والعلمية.
النقوش الصخرية في محيط تيسينت، فن إنساني قديم رسمه أجداد الإنسانية قبل آلاف السنين
الزيارة العلمية والسياحية لتيسينت
تستقطب تيسينت نوعين من الزوار يبدوان للوهلة الأولى مختلفَين تماماً لكنهما يلتقيان في شغف مشترك بهذه الأرض الاستثنائية: العلماء والباحثون الذين يأتون لدراسة النيزك وشظاياه ولتحليل النقوش الصخرية وتأريخها، والسياح الثقافيون الفضوليون الذين ينجذبون إلى الجمع الفريد بين الحدث الكوني المعاصر والموروث الإنساني العتيق.
للراغبين في زيارة تيسينت، يُنصح بالتواصل مع مرشدين محليين من أهل المنطقة يعرفون مواقع النقوش الصخرية معرفة دقيقة. كما يُنصح بالتجهز الجيد للتنقل في مسالك وعرة بعيدة أحياناً عن الطريق المعبّد، ولا سيما في المناطق التي تتركز فيها أكثف تجمعات النقوش الصخرية. الزيارة في الصباح الباكر أو قبيل الغروب توفر أفضل الإضاءة لرؤية تفاصيل النقوش ورسمها أو تصويرها.
❓ أسئلة شائعة
ما الذي يجعل نيزك تيسينت نادراً جداً؟
نيزك تيسينت ينتمي إلى فئة "الشيرغوتيت" المريخية، وهي نازيك مصدرها سطح كوكب المريخ قُذفت في الفضاء بفعل اصطدامات قديمة وسافرت ملايين السنين قبل أن تسقط على الأرض. وهو نادر لأنه حديث العهد جيولوجياً ويحتوي على آثار كيميائية قد تكشف أسراراً عن تاريخ الماء على المريخ.
هل يمكن رؤية النقوش الصخرية في تيسينت مجاناً؟
المواقع الصخرية في محيط تيسينت في معظمها في الهواء الطلق على أراضٍ مفتوحة، لكن يستحسن الاستعانة بمرشد محلي يعرف مواقعها الدقيقة مقابل أجر رمزي يساهم في دعم اقتصاد السكان المحليين. بعض المواقع الأكثر حساسية خاضعة لرقابة المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث.
هل لا تزال شظايا نيزك تيسينت متاحة للشراء؟
بعد سقوط النيزك عام 2011، جُمعت شظاياه من قِبل السكان المحليين وجزء كبير منها بيع لجامعي النيازك ومتاحف العلوم حول العالم. اليوم قد تجد بعض القطع الصغيرة لدى تجار محليين، لكن يجب التأكد من مصداقيتها وشرعية بيعها وفق قوانين حماية التراث الجيولوجي المغربي.
التعليقات ()
أضف تعليقاً