حين يتحدث المرء عن الثقافة الأمازيغية في إقليم طاطا، فإنه لا يتحدث عن ظاهرة أثرية منقرضة أو تراث متحفي مُحنَّط خلف زجاج الذاكرة، بل عن حضارة حية تتنفس في اليومي والعادي، في طريقة البناء وأسلوب الترحيب بالضيف وفي الحكاية التي تُروى قبيل النوم وفي النغمة التي يرددها راعي الغنم وحيداً في الجبل. الثقافة الأمازيغية في طاطا ليست موروثاً يُحفظ، بل هي طريقة حياة تُعاش.
تنتمي الغالبية العظمى من سكان إقليم طاطا إلى الفرع الأمازيغي الجنوبي الذي يمتد عبر مساحات واسعة من جنوب المغرب وشمال موريتانيا. وتُشكّل قبائل بعينها الأساس الديموغرافي للإقليم: في مقدمتها قبيلة أيت واهلال التي ينسب إليها كثير من سكان طاطا ومحيطها المباشر، وقبيلة أيت أطّا الكبرى التي تمتد مجالاتها الرعوية من أعالي الأطلس الكبير إلى الصحراء، وأيت اسفول وأيت اعيسّا وسواها من التجمعات القبلية التي نسجت فيما بينها عبر القرون شبكةً من التحالفات والصراعات والمصاهرات التي شكّلت طبيعة المجتمع الطاطاوي الراهن.
اللغة الأمازيغية: لغة القلب والهوية
تُعدّ اللغة الأمازيغية، بلهجتها التاشلحيت السائدة في منطقة طاطا، ركيزةً أساسيةً للهوية الثقافية المحلية. لغة غنية بجرسها الموسيقي الخاص وببنيتها الصرفية المعقدة وبمعجمها الثري الذي يعكس علاقة الإنسان الأمازيغي المتشعبة بالطبيعة والأرض والفصول والحيوانات. في هذه اللغة يُسمّى النخيل والحجر والريح والنجوم بأسماء تحكي تاريخ ألفة طويلة بين الإنسان وبيئته.
ومنذ أن رسّخ دستور المملكة المغربية عام 2011 الاعترافَ الرسمي بالأمازيغية لغةً وطنيةً رسميةً، تشهد المنطقة اهتماماً متنامياً بتعليم الأمازيغية في المدارس والحفاظ عليها في الإعلام. وقد أسهمت مؤسسة الملكي للثقافة الأمازيغية ومعهد الأمازيغية ومختلف الجمعيات المدنية المحلية في حفر الكلمة والحرف الأمازيغيين في الفضاء العام للمدن والقرى الجنوبية.
الأزياء الأمازيغية التقليدية في إقليم طاطا، تعبير بصري عن هوية ثقافية راسخة
الفنون والموسيقى الأمازيغية
تزخر منطقة طاطا بتراث موسيقي أمازيغي ثري ومتنوع يُشكّل ذاكرةً صوتيةً جماعيةً لأبناء المنطقة. تتصدر هذا التراث الموسيقيَّ موسيقى "أحوّاش"، وهي فن أدائي جماعي يجمع بين الغناء والرقص الإيقاعي في فضاء دائري، يؤديه الرجال والنساء معاً في المناسبات الكبرى كالأعراس والأعياد ومواسم الحصاد. يتسم الأحوّاش بتعدد الأصوات وتضافر الإيقاعات في منظومة جماعية تُعبّر عن روح التآزر والانسجام الاجتماعي.
إلى جانب الأحوّاش، تبرز "الروايس" وهي فئة خاصة من الشعراء المغنين المرتجلين الذين يجمعون بين موهبة الشعر وعزف الرباب وفن الحكي والنقد الاجتماعي في أداء فردي عفوي يُصنّفه بعض الباحثين ضمن أرقى التعابير الأدبية الشفهية في شمال أفريقيا. الرايس طاطاوي هو فيلسوف الحياة اليومية وصحيفة الرأي المتنقلة التي تُسمع في الأسواق والأعراس والحفلات.
الأزياء التقليدية ودلالاتها
يُشكّل الزي التقليدي في منطقة طاطا جزءاً لا يتجزأ من التعبير عن الهوية الثقافية. تتميز المرأة الطاطاوية بلباسها الأمازيغي الفاخر المُزيَّن بنسيج دقيق من خيوط الفضة والذهب، والذي تُسمى مفرداته بأسماء محلية خاصة لا تكاد تُترجَم إلى لغة أخرى بدون فقدان جزء من معناها الثقافي. المحجبة الكبيرة ذات الألوان الزاهية، والإزار المطرز بدقة، والحلي الفضية المشغولة يدوياً بأشكال هندسية أمازيغية، كل هذه العناصر تُشكّل منظومةً جمالية متكاملة تختلف تفاصيلها من قرية لأخرى ومن قبيلة لأخرى.
الحرف الأمازيغية التقليدية في طاطا، تُجسّد الجماليات الأمازيغية في أشكال وظيفية يومية
القيم الاجتماعية والموروث العُرفي
لا تكتمل صورة الثقافة الأمازيغية في طاطا دون الإشارة إلى المنظومة القيمية والاجتماعية التي تنظم الحياة الجماعية وتضبط العلاقات بين الأفراد والجماعات. في مقدمة هذه القيم يقف مبدأ "تيويزي" وهو العمل الجماعي التطوعي لإنجاز المشاريع المشتركة كبناء المساجد وإصلاح القنوات المائية والمشاركة في حصاد المحاصيل. هذه الممارسة التعاونية العريقة تُجسّد الروح الجماعية الأمازيغية في أسمى تجلياتها.
كما تلعب "جماعة" القبيلة أو الدوّار دوراً محورياً في الفصل في النزاعات وتنظيم الموارد وصون التوازن الاجتماعي. يجتمع شيوخ القبيلة وعقلاؤها في إطار "أسايس" (المجلس التقليدي) للتداول في الشؤون المشتركة واتخاذ القرارات وفق قواعد عُرفية متوارثة تُعرف بـ"إزرف"، وهي قانون عُرفي غير مكتوب لكنه راسخ في الذاكرة الجماعية ومُلزِم لأبناء الجماعة كلهم.
❓ أسئلة شائعة
ما الفرق بين تاشلحيت وتامازيغت في منطقة طاطا؟
تاشلحيت هي اللهجة الأمازيغية السائدة في جنوب المغرب من منطقة سوس وصولاً إلى طاطا والمناطق المجاورة، وهي أكثر اللهجات الأمازيغية انتشاراً في المغرب. أما تامازيغت فهي لهجة أمازيغية وسطى تنتشر في مناطق الأطلس المتوسط وبعض المناطق الانتقالية. في إقليم طاطا يُسمع بعض التداخل بين اللهجتين في المناطق الحدودية الشمالية للإقليم.
أين يمكن مشاهدة الأحوّاش في إقليم طاطا؟
يمكن مشاهدة الأحوّاش في المناسبات الاجتماعية الكبرى كالأعراس والاحتفالات بالمواسم الدينية والأعياد الوطنية. بعض الجمعيات الثقافية المحلية تُنظّم عروضاً دورية للحفاظ على هذا التراث وتقديمه للزوار. كما يُعرض الأحوّاش في مهرجان الأمازيغية السنوي الذي يُنظَّم في المنطقة.
هل لا تزال الحرف الأمازيغية التقليدية حية في طاطا؟
نعم، رغم الضغوط التي يفرضها اقتصاد السوق والتنافس مع المنتجات الصناعية الرخيصة، لا تزال حرف أمازيغية عديدة تُمارَس في إقليم طاطا، كنسج الزرابي والحلي الفضية والفخار والأبواب الخشبية المنقوشة. بعض هذه الحرف تواجه خطر الانقراض، مما يُبرز أهمية دعم الحرفيين المحليين من خلال اقتناء منتجاتهم مباشرةً.
التعليقات ()
أضف تعليقاً